بقلم: المحامية د. هنادي عيسى الجودر
القراء الأعزاء
أكثر سؤال يُطرح عليّ دائما هو ذاك الذي يدور حول كيف أنني استطعت أن أجمع بين كتابة الشعر بكل ما به من عذوبة وخيال وشفافية وجمال وبين المحاماة والعمل القانوني بكل جموده وجديته ومنازعاته التي لا تنتهي؟ وسؤالي هو: وما المانع في أي نجمع المتناقضات ونحقق شغفنا بكل تعدديته إن كان ذلك ممكناً وكُنّا عازمين وقادرين؟ ومن ثم نرتقي بعدها لمرتبة أن نكون مُلهمين للآخرين، فالحياة تدور بين التناغم والتناقض ونحن من يملك تطويع الاثنين لبلوغ أهدافنا وتحقيق طموحاتنا دائما، ونكون نحن المثال الذي يُحتذى به ويُقتدى بسلوكه، وليس بخاف كون المرأة البحرينية قد حازت الريادة في عدّة مجالات الأمر الذي يجعل منها قدوة لا لنساء وطنها فقط بل للنساء في سائر دول المنطقة الإقليمية والعربية والدولية أيضا.
و (كًوني أنتِ قدوة) كان عنوان أصبوحة جميلة استضافتني فيها مدرسة نسيبة بنت كعب الابتدائية للبنات صباح الأول من ديسمبر الذي يوافق يوم المرأة البحرينية وقد أقيمت احتفاءً واحتفالاً بهذه المناسبة الوطنية التي اتخذت هذا العام شعاراً متميزاً وهو (المرأة البحرينية في التنمية الوطنية، مسيرة عطاء في وطن معطاء)، حيث جاء اختياري من قبل إدارة المدرسة لأنها وجدتني قدوة فأرادت أن أُلهم طالباتها، ووافقت على المشاركة لأنني أُقدّر تبادل الخبرات – ولاسيما مع الأجيال المختلفة- وأجد فيها شيئا من ضالتي من المعرفة، ولأن من واجبنا الوطني جميعا الوقوف مع هذا الجيل الناهض الذي يستحق أن نشركه بالاطلاع على تجاربنا وتزويده بمعرفتنا المتراكمة لكي تسهم في بناء معرفته وخبراته الخاصة.
ولقد كان احتفالي لهذا العام بيوم المرأة البحرينية مختلفاً ومميزاً بلقاء نساء صغيرات مقبلات على الحياة، كل منهن ستكون بمشيئة الله قدوة في مجالها واهتمامها، وجاء كإعمال حقيقي لشعار 2021 الذي يخاطب المرأة بشكل مطلق كونها شريك فاعل في التنمية الوطنية أينما كان موضعها دون تخصيص مهنة أو دور معين، وقد كانت دقة التنظيم ومستواه ملفتين جداً، وهي مؤشرات تمكننا من قياس المستوى المتقدم الذي بلغته المدارس الحكومية.
كما كان اهتمام وحرص الكادر الإداري والتعليمي واعداً جداً وبالأخص مديرتها التي لمست من حواري معها مدى حرصها على غرس أسس الوطنية الصادقة وإلهام الطالبات وتحفيز قدراتهن الكامنة من خلال برامجها المنتقاة، والأهم من ذلك كله هو استعداد الطالبات للتفاعل وتلقي المعرفة خارج المنهج الدراسي، حيث هيّأ لي هذا اللقاء مُكنة إطلاع الطالبات على مكانة المرأة البحرينية في التشريعات الوطنية مرورا بأهمية دور المجلس الأعلى للمرأة وبيان أهمية مشاركة الطالبات في العمل التطوعي بالانضمام إلى مؤسسات المجتمع المدني وحثّهن على العطاء في هذا المجال بجانب تطوير الذات من جميع النواحي.
وجدير بالذكر بأن المجتمع المدني يتكون من مجموع الجمعيات المختلفة الأهداف التي يتم تكوينها في الدولة وفقاً للدستور والقوانين المنظمة لها، ويُعدّ تكوين الجمعيات والانضمام إليها حقاً من حقوق الانسان المدنية والسياسية التي تقرّها الأنظمة الديمقراطية وينطوي على مشاركة فعلية للفرد في المجتمع وفقاً لاهتمامه الذي تحققه أهداف الجمعية التي ينضم لها، كعمل تطوعي بجانب حقه في العمل الذي يكون له مردود مادي، إذ لكل منهما آثاره المختلفة وكلاهما يجتمعان معاً للإسهام في دفع عجلة التنمية للوطن.
وتكمن أهمية الحديث عن دور المرأة في منظمات المجتمع المدني في أنها كانت أحد المحاور الهامة التي تناولها تقرير التوازن بين الجنسين 2019-2020 الذي ناقشت الأمانة العامة توصياته مؤخرا مع جميع الجهات المعنية ومنها منظمات المجتمع المدني وقد كانت أحد أهم التوصيات تتعلق بضرورة التوعية بأهمية مشاركة المرأة في عضوية المنظمات الأهلية وعضوية مجالس الإدارة فيها ورصد التحديات وإيجاد الحلول، وفي رأيي بأن المؤسسات التعليمية يجب أن تكون هي المنطلق الأول للتوعية ولاسيما في مرحلة التعليم الأساسي، أو ليس: التعليم في الصغر كالنقش على الحجر؟!
وفي هذا الصدد أتوجّه بمقترح لوزارة التربية والتعليم، مضمونه أن تتبنى الوزارة نظاما يعزز شراكة الطالبات المجتمعية، من قبيل تخصيص مقرر دراسي يتعلق بالتعريف بقانون الجمعيات ودور وأهمية العمل التطوعي باعتباره حقا وواجبا، أو كاحتساب درجات مثلا على العمل التطوعي والمشاركة في الجمعيات المختلفة التي تُشكل المجتمع المدني تحفيزاُ وتشجيعاً للطالبات على الانخراط في هذا المجال تنميّة لمواهبهن وتوظيف وقتهن فيما يعود عليهن وعلى الوطن بالنفع العام حتى تترسخ في الأجيال القادمة ثقافة العمل التطوعي والشراكة المجتمعية، وكل عام والمرأة البحرينية شريك أساسي في نهضة هذا البد واستدامتها.
جريدة القرار الدولية جريدة دولية تصدر في بغداد وتوزع في العالم العربي